معالم في الطريق

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

معالم في الطريق

مُساهمة من طرف ismaeel في الثلاثاء 19 أغسطس 2008, 7:17 am



تقف البشرية اليوم على حافة الهاوية .. لا بسبب التهديد بالفناء المعلق على رأسها .. فهذا عَرَضٌ للمرض وليس هو المرض .. ولكن سبب إفلاسها في عالم القيم التي يمكن أن تنمو الحياة الإنسانية في ظلالها نموًا سليمًا وتترقى ترقيًا صحيحًا . وهذا واضح كل الوضوح في العالم الغربي ، الذي لم يعد لديه ما يعطيه للبشرية من القيم ، بل الذي لم يعد لديه ما يُقنع ضميره باستحقاقه للوجود ، بعدما انتهت الديمقراطية فيه إلى ما يشبه الإفلاس ، حيث بدأت تستعير- ببطء - وتقتبس من أنظمة المعسكر الشرقي وبخاصة في الأنظمة الاقتصادية ! تحت إسم الاشتراكية !

كذلك الحال في المعسكر الشرقي نفسه .. فالنظريات الجماعية وفي مقدمتها الماركسية التي اجتذبت في أول عهدها عددًا كبيرًا في الشرق - وفي الغرب نفسه - باعتبارها مذهبًا يحمل طابع العقيدة ، قد تراجعت هي الأخرى تراجعًا واضحًا من ناحية الفكرة حتى لتكاد تنحصر الآن في الدولة وأنظمتها ، التي تبعد بعدًا كبيرًا عن أصول المذهب .. وهي على العموم تناهض طبيعة الفطرة البشرية ومقتضياتها ، ولا تنمو إلا في بيئة محطمة ! أو بيئة قد ألفت النظام الدكتاتوري فترات طويلة ! وحتى في مثل هذه البيئات قد بدأ يظهر فشلها المادي الاقتصادي - وهو الجانب الذي تقوم عليه وتتبجح به - فروسيا - التي تمثل قمة الأنظمة الجماعية - تتناقص غلاتها بعد أن كانت فائضة حنى في عهود القياصرة ، وتستورد القمح والمواد الغذائية ، وتبيع ما لديها من الذهب لتحصل على الطعام بسبب فشل المزارع الجماعية وفشل النظام الذي يصادم الفطرة البشرية .

ولابد من قيادة للبشرية جديدة !

إن قيادة الرجل الغربي للبشرية قد أوشكت على الزوال .. لا لأن الحضارة الغربية قد أفلست ماديًا أو ضعفت من ناحية القوة الاقتصادية والعسكرية .. ولكن لأن النظام الغربي قد انتهى دوره لأنه لم يعد يملك رصيدا من القيم لا يسمح له بالقيادة .

لابد من قيادة تملك إبقاء وتنمية الحضارة المادية التي وصلت إليها البشرية ، عن طريق العبقرية الأوروبية في الإبداع المادي ، وتزود البشرية بقيم جديدة جدَّة كاملة - بالقياس إلى ما عرفته البشرية – وبمنهج أصيل وإيجابي وواقعي في الوقت ذاته.

والإسلام - وحده - هو الذي يملك تلك القيم ، وهذا المنهج .

لقد أدَّت النهضة العلمية دورها .. هذا هو الدور الذي بدأت مطالعه مع عصر النهضة في القرن السادس عثر الميلادي ، ووصلت إلى ذروتها خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر .. ولم تعد تملك رصيدًا جديدًا .

كذلك أدَّت الوطنية و القومية التي برزت في تلك الفترة ، والتجمعات الإقليمية عامة دورها خلال هذه الفرون . . ولم تعد تملك هي الأخرى رصيدًا جديدًا .

ثم فشلت الأنظمة الفردية والأنظمة الجماعية في نهاية المطاف .

ولقد جاء دور الإسلام ودور الأمة في أشد الساعات حرجًا وحيرة واضطرابًا .. جاء دور الإسلام الذي لا يتنكَّر للإبداع المادي في الأرض ، لأنه يعدُّه من وظيفة الإنسان الأولى منذ أن عهد الله إليه بالخلافة في الأرض ، ويعتبره - تحت شروط خاصة - عبادة لله ، وتحقيقًا لغاية الوجود الإنساني .

{ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً } [البقرة: 30]

{ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِي } [الذاريات: 56]

وجاء دور الأمة المسلمة لتحقق ما أراده الله بإخراجها للناس : { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ } [آل عمران: 110]

{ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } [البقرة: 143]

ولكن الإسلام لا يملك أن يؤدي دوره إلا أن يتمثل في مجتمع ، أي أن يتمثل في أمة .. فالبشرية لا تستمع - وبخاصة في هذا الزمان - إلى عقيدة مجردة ، لا ترى مصداقها الواقعي في حياة مشهودة . . و وجود الأمة المسلمة يعتبر قد انقطع منذ قرون كثيرة .. فالأمة المسلمة ليست أرضًا كان يعيش فيها الإسلام . وليست قومًا كان أجدادهم في عصر من عصور التاريخ يعيشون بالنظام الإسلامي .. إنما الأمة المسلمة جماعة من البشر تنبثق حياتهم وتصوراتهم وأوضاعهم وأنظمتهم وقيمهم وموازينهم كلها من المنهج الإسلامي . . . وهذه الأمة - بهذه المواصفات ! قد انقطع وجودها منذ انقطاع الحكم بشريعة الله من فوق ظهر- الأرض جميعًا .

ولابد من إعادة وجود هذه الأمة لكي يؤدي الإسلام دوره المرتقب في قيادة البشرية مرة أخرى .

لابد من بعث لتلك الأمة التي واراها ركام الأجيال وركام التصورات ، وركام الأوضاع ، وركام الأنظمة ، التي لا صلة لها بالإسلام ، ولا بالمنهج الإسلامي . . وإن كانت ما تزال تزعم أنها قائمة فيما يسمى العالم الإسلامي !!!

وأنا أعرف أن المسافة بين محاولة البعث وبين تسلم القيادة مسافة شاسعة . . فقد غابت الأمة المسلمة عن الوجود وعن الشهود دهرًا طويلاً . وقد تولت قيادة البشرية أفكار أخرى وأمم أخرى ، وتصورات أخرى وأوضاع أخرى فترة طويلة . وقد أبدعت العبقرية الأوروبية هذه الفترة رصيدًا ضخمًا من العلم و الثقافة و الأنظمة و الإنتاج المادي .. وهو رصيد ضخم تقف البشرية على قمته ، ولا نفرِّط فيه ولا فيمن يمثله بسهولة ! وبخاصة أن ما يسمى العالم الإسلامي يكاد يكون عاطلاً من كل هذه الزينة !

ولكن لابد - مع هذه الاعتبارات كلها - من البعث الإسلامي مهما تكن المسافة شاسعة بين محاولة البعث وبين تسلم القيادة . فمحاولة البعث الإسلامي هي الخطوة الأولى التي لا يمكن تخطيها !

ولكي نكون على بينة من الأمر ، ينبغي أن ندرك - على وجه التحديد - مؤهلات هذه الأمة للقيادة البشرية ، كي لا نخطىء عناصرها في محاولة البعث الأولى .

إن هذه الأمة لا تملك الآن - وليس مطلوبًا منها - أن تقدم للبشرية تفوقًا خارقًا في الإبداع المادي ، يحنى لها الرقاب ، ويفرض قيادتها العالمية من هذه الزاوية . . فالعبقرية الأوروبية قد سبقته في هذا المضمار سبقًا واسعًا. وليس من المنتظر - خلال عدة قرون على الأقل - التفوق المادي عليها !

فلابد إذن من مؤهل آخر ! المؤهل الذي تفتقده هذه الحضارة !

إن هذا لا بعني أن نهمل الإبداع المادي . فمن واجبنا أن نحاول فيه جهدنا . ولكن لا بوصفه المؤهل الذي نتقدم به لقيادة البشرية في المرحلة الراهنة . إنما بوصفه ضرورة ذاتية لوجودنا . كذلك بوصفه واجبًا يفرضه علينا التصور الإسلامي الذي ينوط بالإنسان خلافة الأرض ، ويجعلها - تحت شروط خاصة - عبادة لله ، وتحقيقًا لغاية الوجود الإنساني .

لابد إذن من مؤهل آخر لقيادة البشرية - غير الإبداع المادي - ولن يكون هذا المؤهل سوى العقيدة و المنهج الذي يسمح للبشرية أن تحتفظ بنجاج العبقرية المادية ، تحت إشراف تصور آخر يلبِّي حاجة الفطرة كما يلبيّها الإبداع المادي ، وأن تتمثل العقيدة والمنهج في تجمع إنساني . أي في مجتمع مسلم .

إنْ العالم يعيش اليوم كله في جاهلية من ناحية الأصل الذي تنبثق منه مقومات الحياة وأنظمتها . جاهلية لا تخفف منها شيئًا هذه التيسيرات المادية الهائلة ، وهذا الإبداع المادي الفائق !

هذه الجاهلية تقوم على أساس الاعتداء على سلطان الله في الأرض وعلى أخص خصائص الألوهية . . وهي الحاكمية . . إنها تسند الحاكمية إلى البشر ، فتجعل بعضهم لبعض أربابا ، لا في الصورة البدائية الساذجة التي عرفتها الجاهلية الأولى ، ولكن في صورة ادعاء حق وضع التصورات والقيم ، والشرائع والقوانين ، والأنظمة والأوضاع ، بمعزل عن منهج الله للحياة ، وفيما لم يأذن به الله .. فينشأ عن هذا الاعتداء على سلطان الله اعتدا ء على عباده . . وما مهانة الإنسان عامة في الأنظمة الجماعية ، وما ظلم الأفراد والشعوب بسيطرة رأس المال والاستعمار في النظم الرأسمالية إلا أثرًا من آثار الاعتداء على سلطان الله ، وإنكار الكراهة التي قررها الله للإنسان ! وفي هذا يتفرد المنهج الإسلامي .. فالناس في كل نظام غير النظام الإسلامي ، يعبد بعضهم بعضًا – في صورة من الصور - وفي المنهج الإسلامي وحده يتحرر الناس جميعًا من عبادة بعضهم البعض ، بعبادة الله وحده ، والتلقي من الله وحده ، والخضوع لله وحده .

وهذا هو مفترق الطريق .. وهذا كذلك هو التصور الجديد الذي نملك إعطاءه للبشرية- هو وسائر ما يترتب عليه من آثار عميقة في الحياة البشرية الواقعية - وهذا هو الرصيد الذي لا تملكه البشرية ، لأنه ليس من منتجات الحضارة الغربية ، وليس من منتجات العبقرية الأوروبية ! شرقية كانت أو غربية .

إ ننا - دون شك - نملك شيئا جديدًا جدَّة كاملة . شيئا لا تعرفه البشرية . ولا تملك هي أن تنتجه !
ولكن هذا الجديد ، لابد أن يتمثل -كما قلنا - في واقع عملي . لابد أن تعيش به أمة .. وهذا يقتضي عملية بعث في الرقعة الإسلامية هذا البعث الذي يتبعه - على مسافة ما بعيدة أو قريبة - تسلم قيادة البشرية .

فكيف تبدأ عملية البعث الإسلامي ؟

إنه لابد من طليعة تعزم هذه العزمة ، وتمضي في الطريق . تمضي في خضم الجاهلية الضاربة الأطناب في أرجاء الأرض جميعًا . تمضي وهي تزاول نوعا من العزلة من جانب ، ونوعًا من الاتصال من الجانب الآخر بالجاهلية المحيطة . .

ولابد لهذه الطليعة التي تعزم هذه العزمة من معالم في الطريق معالم تعرف منها طبيعة دورها ، وحقيقة وظيفتها ، وصلب غايتها . ونقطة البدء في الرحلة الطويلة .. كما تعرف منها طبيعة موقفها من الجاهلية الضاربة الأطناب في الأرض جميعًا . . أين تلتقي مع الناس وأين تفترق ؟ ما خصائصها هي وما خصائص الجاهلية من حولها ؟ كيف تخاطب أهل هذه الجاهلية بلغة الإسلام وفيم تخاطبها ؟ ثم تعرف من أين تتلقى – في هذا كله – وكيف تتلقى ؟

هذه المعالم لابد أن تقام من المصدر الأول لهذه العقيدة . . القرآن . . ومن توجيهاته الأساسية ، ومن التصور الذي أنشأه في نفوس الصفوة المختارة ، التي صنع الله بها في الأرض ما شاء أن يصنع ، والتي حولت خط سير التاريخ مرة إلى حيث شاء الله أن يسير .



سيد قطب

_________________
أما لله والاسلام جند تدافع عنه شبان وشيب

فقل لذوي البصائر اين كانوا اجيبوا الله ويحكم اجيبوا

avatar
ismaeel
قسامي متميز
قسامي متميز

عدد الرسائل : 538
العمر : 38
البلد : فلسطين
الوظيفة : مجاهد
الإهتمامات : المطالعة علوم القران
السٌّمعَة : 33
تاريخ التسجيل : 25/07/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: معالم في الطريق

مُساهمة من طرف ismaeel في الجمعة 29 أغسطس 2008, 8:26 am

مواضيعي لاتقرء لماذا؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

_________________
أما لله والاسلام جند تدافع عنه شبان وشيب

فقل لذوي البصائر اين كانوا اجيبوا الله ويحكم اجيبوا

avatar
ismaeel
قسامي متميز
قسامي متميز

عدد الرسائل : 538
العمر : 38
البلد : فلسطين
الوظيفة : مجاهد
الإهتمامات : المطالعة علوم القران
السٌّمعَة : 33
تاريخ التسجيل : 25/07/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: معالم في الطريق

مُساهمة من طرف eng_moaty في الجمعة 29 أغسطس 2008, 10:41 am

جزاكم الله خبرا
وفعلا لاحل سوي الاسلام
ورحم الله شهيد القرآن
avatar
eng_moaty
الإداره
الإداره

عدد الرسائل : 382
الإهتمامات : القراءه التنميه البشريه الشعر
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 25/08/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: معالم في الطريق

مُساهمة من طرف فتاة مكة في الأحد 07 سبتمبر 2008, 12:58 am

جزاك الله خيرا أخي الكريم...

موضوع غاية في الروعة... لا رحمكم الله أجره وبارك في جهودكم وشرفنا وإياكم بخدمة دينه الحنيف..

ورحم الله الشهيد ( سيد قطب ) وأسكنه فسيح جنانه..

_________________
العضوة المميزة لمنتديات حماس لشهر رجب (تهنئه من الأداره )

*******************************************

( رحماك رحماك إلاهنا بإخوتنا على أرض غزة.....اللهم انتقم لهم واخذل اللهم من خذلهم....وانصرهم وأعنا اللهم على نصرتهم)





avatar
فتاة مكة
قسامي ذهبي

عدد الرسائل : 2435
البلد : أطهر البقاع
الوظيفة : الله أعلم
الإهتمامات : نصرة الدين العظيم
السٌّمعَة : 42
تاريخ التسجيل : 16/12/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: معالم في الطريق

مُساهمة من طرف درة الأقصى في الأحد 07 سبتمبر 2008, 3:04 am

ورحم الله الشهيد ( سيد قطب ) وأسكنه فسيح جنانه

وجزاك الله كل خير اخي اسماعيل

بصراحة موضوعك رائع وبانتظار المزيد من ابداعاتك

_________________
avatar
درة الأقصى
مشرفة قسام القوارير
مشرفة قسام القوارير

عدد الرسائل : 2436
العمر : 36
البلد : في قلوب أحبتي
الإهتمامات : ........................................
السٌّمعَة : 9
تاريخ التسجيل : 19/01/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: معالم في الطريق

مُساهمة من طرف ابو نضال في الأربعاء 29 أكتوبر 2008, 4:22 pm

مشكوووووووووووووور على الموضوع

ابو نضال
قسامي مغامر

عدد الرسائل : 219
السٌّمعَة : 12
تاريخ التسجيل : 04/04/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى